أبي حيان التوحيدي

191

المقابسات

قال : وهذه كلها من درجات النفس ، تارة من ناحيتها بالبحث والتنقير والنظر والتقليب ، وتارة بالوحي والالهام ، والالقاء والسنوح ، والموافقة والمصارفة ، وما جرى في نظائر هذه المعاني ، والتبس بما يكون شطرا لها ، وهذه حال تقع أولا في مزاج مهيأ ، وترتيب معدل ، وطنية حرة . ثم يظهر ثانيا بتهذيب النفس ، وتطهير الأخلاق ، وتصفية الأعمال ، وقمع الشهوات . وكل من كان قسطه من الحال الفلكية أوفر كان مصاره في الحال البشرية اظهر وهذا باب طويل الذيل مياس ، وفيما وقع النص عليه ، ووصلت الإشارة إليه ، بلاغ لمن آثر رشده ، وقصد حظه ، وبذل سعيه ، وأمّ غايته . وفقنا اللّه لما يحب واستعملنا فيما يرضى ، أنه قريب مجيب 33 مقابسة [ في الحركة والسكون وأيهما أقدم ؟ ] سئل أبو محمد العروضي مرة عن الحركة والسكون أيهما أقدم ؟ فقال : أما عند الحس فالحركة أقدم ، وأما عند العقل فالسكون أقدم . وبعد فالسكون عدم الحركة ، وكل حس فقوامه بالحركة ، وكل عقل فصورته بالسكون ، ونظامه بالهدوء ، وخاصته بالطمأنينة ، وأثره بالقرار ، وقوته بالنفس ؛ وكأن من فيض العلة الأولى وجوده ، لأن هذا النعت لكل ما دونه ، فالاستعارة له بالواجب والحقيقة ، والسكون عند العقل عدم الحسّ ، والحركة عند الحسّ تأثير العقل وأطال إطالة شذ بها عنى أكثر قوله وسمعت أبا سليمان يقول ما هو رفد لهذا القول وجار معه : فإن سكون العقل في نوع الحركة ، وحركة الحس في نوع السكون ، لأن حركة الحس